السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
238
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
فلما وصل الرسول إلى الإسكندر أخبره بجميع ما شاهد ، فتعجب الإسكندر من ذلك ، فلما أن كان في صبيحة تلك الليلة جلس الإسكندر جلوسا خاصا ودعا الفيلسوف ، فلما أقبل رآه طويل الجسم رحب الجبين معتدل البنية فقال في نفسه : هذه بنية تضاد الحكمة ، ومن كان كذلك فهو أوحد زمانه ، فأحسّ الفيلسوف بذلك فأدار إصبع السبابة حول وجهه ثم وضعها على أنفه ، ثم دنا مسرعا فحيّا الملك ، فأشار إليه بالجلوس ، وسأله عن وضع إصبعه على أنفه ، فقال : فهمت ما خطر لك فأشرت إلى أنّه ليس في الهند غيري ، كما أنّه ليس في الوجه إلّا أنف واحد ، قال : فما معنى غرز الابر في السمن ؟ قال : فهمت أنّك تقول : علمت حتى لا مجال للزيادة كما ملئ هذا الاناء ، فأشرت إلى أن الكامل يقبل الكمال . قال : فما المراد من بسط الكرة ؟ قال : فهمت أنّك تقول : قلبي قسا من سفك الدماء واشتغل بهذا العالم فلم يقبل العلم ، فأشرت إلى أنّ جلاء الصدأ ممكن كما صار من الكرة مرآة تري الأجسام . قال : فما المراد من جعلها طاسة طافية على الماء ؟ قال : فهمت أنك تقول : الأيّام قصيرة ، والأجل قريب ، ولا يدرك العلم الكثير في الزمن القليل ، فأشرت إلى أن قطع المسافة الطويلة في الأمد اليسير متيسّر كما طفت الراسبة على وجه الماء في أسرع وقت . قال : فما بالك حين ملأت الإناء بالتراب لم تردّ الجواب ؟ قال : فهمت أنك تقول : ثم الموت ، فأخبرتك أنّه لا حيلة في ذلك . فقال الإسكندر : صدقت ، ولا حسننّ إلى الهند لأجلك ، وأمر له بجوائز كثيرة ، فقال : لو أحببت المال ما أردت « 1 » العلم فلست أدخل علمي ما يضادّه وينافيه . ثم نصح الإسكندر بنصائح يأمره فيها بالعدل والاحسان . فخيّره الإسكندر بين المقام عنده ، والعود إلى وطنه ، فاختار العود إلى وطنه فلحق بأرضه . وما أحسن قول من قال : ولو أنّ الغريب غدا مليكا * ونال من العلى أقصى مراده لبات وقلبه يصلى بنار * لتربة أرضه وهوى بلاده
--> ( 1 ) في ك ( ما نلت ) مكان ( ما أردت ) .